أخرجُ من القسم متوجّهةً إلى مواقف العلوم في ليلةٍ مُقمرة بعد أن وقفتُ في لاب 18 أمام أكثر من 25 شخص – تقريبًا- أتكلّمُ عن نفسي كمترشّحة لمنصب رئيسة اللجنة الإعلامية لمجموعة علوم الحاسب الآلي. لا أتذكّر ماقلته في الحقيقة، غالبًا قد أكون استخدمت تعبيرًا بلاغيًا في مكانه غير المناسب، أو أعدتُ إحدى الجمل ثلاث مرات، لكن هذا لايهم.. لأنني أصلاً كنت المترشّحة الوحيدة للمنصب، وحصلتُ عليه. لا أعلمُ إن كنت قد حملتُ مسؤوليةً أكبرَ منّي، خاصةً وأننّي أحترفُ التملّص من كل شيء أرغب في التملص منه في اللحظة التي أريدها. لكنها تجربةٌ جديدة وأتمنى أن تضيف لي الكثير. بالمناسبة، أكرهُ الدّرج المؤدي للمواقف. لطالما قلتُ لصديقتي بأن نهايتي يومًا ستكون بسببه. متآكلٌ للدرجة التي حتى لو حسبتَ خطوتك ألف مرة، لابد وأن تتعثّر. ماذا لو كنت ألبس كعبًا؟ الأمر يشبه بمحاولة البقاء على قيد الحياة أطول فترة ممكنة. أصُل إلى القمّة وأنا ألهث، أتأمل السماء السوداء الرّحبة والقمر الذي يبدو باهرًا. التفت أحدهم بغتةً مستغربًا من توقفي المفاجئ، وأخذ يرى المكان الذي كنت أنظرُإليه..

تخيلته وهو يشكرني لأني كنت سببًا في استقطاع جزءٍ من وقته ليتأمل تلك اللوحة.

∎∎

على مشارف النّهاية
قلتُ مرةً في حسابي التويتريّ المغمور: “الأيام لا تذهب، ولا تغني ولا تجف ولا تبدأ، نحن من يفعل هذا كله“. والآن وأنا أرى نهاية هذه السّنة تطل في الأفق القريب، أدرك تمامًا بأنني أنا التي مضيتُ فعلاً لا الأيام. كانت سنةً غريبة، وكأنها سنة انكشاف نفسي لنفسي؛ بدَت لي سوءاتي فطفقتُ أخصف على قلبي من ورق الحبّ. الحبّ الذي تهتُ في أزقّته كقطةٍ ضائعة ولا أزال. كانت السنة التي قررتُ فيها أن لا ألوم نفسي أكثر من اللازم، ولا أعاتبها أكثر من اللازم، ولا أشتمها أكثر من اللازم، وأحبّها أكثر من اللازم. أن أمسحَ على وجهي بحبّ الدنيا كله في كل صباح، وبدَل أن أركض إلى المحاضرة وأنا أشتم نفسي على كسلي الذي أخّرني عن موعد استيقاظي، كنتُ أمشي بطمأنينةٍ وأنا أقول لها بأن دقائق النوم الإضافية تلك كانت هديةً من الله الذي يعرف كم كنتُ متعبةً في تلك الليلة

قالت لي هيا في يومٍ دافئ والشّمس تغمرمجلس بيتهم بأنني “نضجت أكثر”، بأنني أصبحتُ أقلّ شكوى وأكثر إنجازًا، لازلتُ أتذكر ذلك الحوار الطويلَ وأشعر بكلماتها تتسللُ قلبي لتتخذ فيه مكانًا تتكئ عليه، حين أخبرتني بأنني يجب أن أتوقف أن أقسو على نفسي. كان أشبه بمحاولة ترميمٍ ناجحة. والآن، وأنا أدركُ بأنني لستُ بذلك السوء الذي كنتُ أحسبني عليه.. أشعر بالقوة لأمضي أكثر.

∎∎∎

-كيف حالك؟
-ستّ حبوبٍ في وجهي في شهرٍ واحد، شعرة بيضاء، وأمعاء على وشك الانهيار.
اضطرابات بطني ليست بجديدةٍ في الساحة، فمنذ الصف الثالث وأنا أتذكر مواعيد مستشفى خولة، التشخيصات التي تقول بأنّ كل شيءٍ سليم وطبيعي وكأنّ صراخي كذبة، وزيت الزيتون الذي “شربته” حين أصبح دهنه على بطني لا يؤدي إلى أي نتيجةٍ تذكر. تعايشتُ مع هذا القلق كل هذه السنين حتى بدت الآلام تمتدّ وتسارعت وتيرة النوبات. ذهبتُ إلى المركز الصحي فقالت بأنها أعراض قولون عصبي وبأن علي مراجعتهم في يومٍ آخر يكون فيه المختبر مفتوحًا لإكمال التشخيص، شعرتُ بأنّها قد سقت بذرة القلقِ ماءً حتى استحالت شجرة. أظنّ أنني بخير، هكذا قلت وأنا ألملم نفسي خارج المركز. لا أظنّ بأنني أحبّ فكرة تسمية الأشياء لأنها تعطيها بعدًا أعمق من اللازم وتحمّلها أكثر مما تستطيع أن تتحمل، ولم أتقبل حقيقة أن يكون لهذا الوجعِ اسمًا إلى أن زارني الألم مرةً أخرى هذه الليلة، ربّما يجب علي أن أستسلم؟

حين كنتُ صغيرة،
تخيلتُ نفسي بتجويفٍ واسع يحل محل بطني،
كنت أؤمن بأنها الطريقة الوحيدة لأعيش حياةً أسهل.

“لا تهزّني؛ فأنا مليء بالدّموع”

لا أعرف هنري كاليه، ولم أكتشف اسمه إلّا قبل دقائق وأنا أبحث عن صاحب الاقتباس الذي وضعتهُ عنوانًا لتدوينة الجمعة التي انقطعتُ عنها جمعاتٍ كثيرة. ولكنني ممتنّة جدًا لهذه الجملة البليغة. لقد قرأتُ الجملة بشكلٍ عابرٍ في تويتر كأي جملةٍ أخرى، ولكنها استقرّت فيّ طيلة هذا الأسبوع الذي كان صعبًا بما تحويه الكلمة من معنى. ماهي الصعوبة التي واجهتها؟ لا أعلم. بالتأكيد هي ليست مصاعب دراسيّة، ولكنني كنتُ ثقيلة جدًا وكأنني أجرّ قدميّ إلى الحياةِ جرًّا. أتأمّلُ وجهي في المرآة في الصباح بازدراءِ العالمِ كلّه لأمضي وأنا أشتم نفسي لطيلة يومٍ كامل بالرغم من أنني لم أفعل أي شيءٍ يستحقّ الشتم.

كانت المرة الأولى لي، أن أكون ثقيلةً لدرجة أنني لم أستطع حتى الدخول إلى المنزل. جلست على المدخل وبكيتُ كلّ شيء: قلبي المثقل، مواقفي، إستبرق التي لم أكنها، وكأن أحدهم كان يهزني لساعةٍ كاملة. طبطبتُ على وجهي، نفضت الغبار عن عباءتي ثمّ دخلت كأن شيئًا لم يكن. متيقنة من أن هذا كله سيمضي، وأتحرق شوقًا أن ألتفت لهذه الأيام وأنا أضحك، لكن الإرهاق يكمن في عيش المرحلة ذاتها. أن أرى الأيام تأكلني دون أن أقاوم، فتزداد الفجوة بيني وبيني ولسان حالي يقول “كأني كنت ناقصة“. فقررتُ قرارًا: أن أواجه أيّامي بالامتنان. امتنانٌ للصحّة التي استشعرتُ قيمتها كثيرًا بعد معاناة خالي في هذا الشهر العصيب الذي لم يسترِح فيه أبدًا. في كلّ مرةٍ أرى فيها يده المليئة بالكدمات، وجهه الشاحب المبتسم، رسائله المليئة بالحب وتعليقاته الساخرة على وضعه الصحي، أتأمّل كم أن الصحة عظيمة جدًا، وأن الأعمال الروتينية التي نقوم بها بلا مبالاة هي عمل مرهق لشخص آخر. امتنانٌ آخر للجامعة، التي مهما كرهت الاستيقاظ لأجلها إلا أنني أراها بمثابةٍ مكانٍ يصقلني يومًا بعد يوم، ممراتها الطويلة المليئة بالشجر والحبّ، أشعرُ بي وأنا أتألّم لأتعلم، أشعر بي وأنا أكبر، وأخوض كل تجربةٍ بحبٍ وشغفٍ كبيرين يكادان أن يتسعا للعالم بأسره. امتنانٌ لهاروكي الذي ينتشلني من كل ركودٍ قرائيّ أمرّ فيه. أنا أجد نفسي في العوالم التي يصنعها، في التجارب التي يخوضها أبطاله، وفي الغرف المغلقة التي تدور فيها كل الحوارات العميقة. امتنانٌ للفنّ الذي لا يفشل أبدًا في جعلي أشعر بالدفء سواء كان مسموعًا أم ملموسًا، خصوصًا حين عرضت المكتبة الرئيسية أمام مبناها منحوتات لا نعلم القصة وراء وجودها لكننا ذهبنا لنقف أمام كلّ عمل ونحن نخمّن مقصد الفنان، واستوقفني هذا العمل ودخل قلبي من أوسع أبوابه، وقررتُ بأنه أمّ: حضنٌ دافئ وكتفٌ واسع. إنها حتمًا أم.

حقوق الصورة لآلاء.

وأخيرًا/ أوجّه امتناني العميق للأشخاص الذين ألقوا كلماتهم العابرة كبذورٍ في قلبي لتنبت زهرةً اسمها: حُبّ. ابتداءً من زيانة، رفيقة التخصص حين أرسلت لي فجأة دون أيّ مقدمات بأنني “إنسانةُ مميّزة”، وأتبعتها برسائل كثيرة لا تعلم هي بأنّها- وبشكلٍ عفوي جدًا كانت ترمّم شيئًا مكسورًا فيّ- وانتهاء بـ”أنا أؤمن بك” حين جاءت في الوقت المناسب بالضّبط. وهنا تذكرت آية الكلمة الطيّبة: أصلها ثابتٌ وفرعها في السّماء

سماءٌ لا تنتهي أبدًا.

شكرًا لأيامي الصعبة، شكرًا لأوقاتي الحلوة. أنا أكبر، وقريبًا سأصبح شخصًا أفضل. :)

خالد

 

يعلمني د.خالد داي مادة نظم المعلومات الحاسوبيّة لهذا الفصل. المادّة ممتعة جدًا، واستماعي لشرحه يشبه شعور قراءتي لترجمة أغنيتي المفضّلة التي لم أكن أفهم كلماتها قبلًا ولكنني أحبّها لمجرد الحبّ نفسه، والحاسوبُ هنا هو الأغنية. د.خالد يصنّف كـ”أطيب” دكتور في القسم، حنانه يسعُ الجميع، الدكتور الأوّل في تجاوبه مع رغباتنا في تأجيل الاختبارات والتّكاليف ومرونته في تفهّم أيامنا الصعبة التي نعبرها لدرجة أننا نردد بيننا “اللهم خلِّد دكاترتنا”، وهناك إشاعة تقول بأنه كاد أن يختبرَ طالبًا لوحده اختبار المنتصف فقط لأنّه يريد أن يخفف عنه ضغط ذلك الأسبوع، وهذا ما لايحدث في العلوم.
في محاضرة اليوم كانت عيناه تلمعان، بشكلٍ غريب. ربَّمَا كان الإرهاق سببًا في تأخّر إدراكي بأنّ لمعة عينه كانت انعكاسًا لضوء “البروكسيما” التي يقف مقابلها، ولكنني ولوَهلة، تذكّرتُ خالدًا آخر، في مكانٍ بعيدٍ جدًّا، بلمعةٍ حقيقيّة جدًا، وهو يصرخُ باسمي بصوتهِ الحاد -اللطيف جدًا جدًا:

“إستبرق!”

خالد.
الاسم الذي لا يعرفهُ أحد. أذكره في الأيام التي أعبرها وحدي، أفكّر فيه. كم أصبح طوله؟ ما هي الكلمات التي تعلمها بعد اسمي؟ هل تعلّم القراءةَ والكتابة؟ .. هل يتذكّرني؟
أحيانًا أتمنّى لو كنتُ شجاعةً أكثر. كأن أمسك هاتفي فجأة لأتّصل بأمّه وأسألها عنه، وأسأله عن لون حقيبته، واسم معلّمته المفضلة، وعدد أصدقائه في الفصل، ومادّته المفضلة. أتمنّى أن أقرأ لهُ المجلّة قبل النوم، أن نتعرف على شخصيّات مجلةِ ماجد، وأن أشتري له ألوانًا كثيرةً جدًا ودفاترَ أكثر. أتخيل سيناريو أن أنتشله من وسطِ قريته ليعيشَ معي وحدي، أنا وهوَ، لا عائلة، لا معايير، لا قوانين ولا تعقيدات كثيرة، أن أبذل حياتي لأجعله ينسى سنواته السّبع الماضية، أفكر في سيناريوهات كثيرة أخرى، أفكّر كثيرًا.. كثيرًا.. أغرق في التفكير، لأتذكّر بأنني لم أحضنه يومًا فأيّ حقٍ أملك لأن أقرر هذا كله؟.. لقد كان بعيدًا وقريبًا في الوقت ذاته. “هل كان يُحبّني؟” أسأل نفسي.

 

 
هل سيحبّني يومًا؟

 

كذبتك في إبريل

قال لي الشخص المفضل في العالم:”تدوينك سيئ”، وقلت:”أعرف” وأنا أشعر بفرحةٍ طفيفةٍ في زاويةٍ ما من زوايا قلبي المتّسع لأنه قَرأ.

tumblr_p20eq3kBNh1ro3oueo1_500

هذه الجمعة الأخيرة من الإجازة الصيفيّة، كانت إجازةً صاخبة ومررتُ فيها بتجاربَ نفسيّة عديدة، صعدتُ فيها إلى السماءِ السابعة وفي أحيانٍ أخرى نزلتُ إلى سابع أرض، تعرفتُ فيها على غرباء كثر، وتخليتُ عن أصدقاءَ أكثر. لقد كانت فريدةً من نوعها.
قبلَ أمس، تبرّعتُ بالدم في بنك الدم الجامعي، أرسلت لي آلاء “تبيي تتبرعي بالدم؟” ظهرًا، والموعدُ عصرًا، راجعتُ -بحركةٍ سريعة- حالتي الصحيّة ووافقتُ بسرعة، وحين كنتُ أرى كيسة الدم وهي تمتلئ ابتسمتُ ابتسامةً خفيفةً وأنا أفكّر بأن التبرع بالدم لم يكن من قائمة أعمالي لذلك اليوم مطلقًا! عمومًا، اللاب-كوتات البيضاء، ورائحة الكُحول، وسماعة الطبيب المركونة على المكتب التي أمتلك مثلها تمامًا ذكرتني بحلمٍ قديمٍ جدًا كتبتهُ هنا، أن أصبح طبيبة. عندما استنشقتُ تلك الرّائحة التي زرعت فيّ هذا الحلم أول مرة، أدركتُ بأنني قد ودّعتُه منذ مدّة، منذ أن كتبت الكودَ الأوّل، وأحيانًا أتساءل عن المعجزة التي نقلتني من (الطبّ) لل(حاسب)، من الكائنات الحيّة إلى عكسها، ولا يأتيني جوابٌ سوى أنه تقدير الله الذي يذهب بحلمٍ ويأتي بآخر. فأنا الآن مجرّد إستبرق التي لاتطمح لشيءٍ سوى أن تصبح مبرمجةً محترفةً على نهاية الفصل القادم!

——————————————————-

Review: Your Lie in April

قبل ساعة أنهيتُ هذا العمل الفنيّ الفذّ، إنه واحد من تلك الأعمال التي ما إن تنتهي منها حتى تتنهد تنهيدةً عميقةً تشعرُ فيها أنك تريد البقاء داخل الشاشة لمدةٍ أطول. لقد اكتملت فيه عناصر الجمال كلّها. أذهلتني القصة والرّسم والتحريك والموسيقى والشخصيّات وكلّ شيء، حتى المقطوعات الموسيقية الجديدة التي لم أسمعها قبلًا. تتحدّثُ القصة عن عازف بيانو مشهور “آريما كوسيه”يعتزل العزف بعد صدمتهِ بوفاة أمّه التي أدّت إلى أنه لم يعد يسمع مقطوعاته، لتظهر “كاوري ميازونو” التي تقلبُ حياته رأسًا على عقِب، تعيدُه إلى حياته، إلى البيانو، وتعرِّفهُ على الحبّ، على دفء الموسيقى التي لا تنصاع للنّوتة. الحوارات العميقة كانت أكثر شيءٍ استقرّ في قلبي، حلوى الكانليه، السماء المضيئة، لحن “توينكل توينكل ليتل ستار”، القطّة السوداء، تفاصيل تبقى للأبد.

Just seeing the same sky as you makes familiar scenery look different. I swing between hope and despair at your slightest gesture, and my heart starts to play a melody. What kind of feeling is this again? What do they call this kind of feeling? I think it’s probably… Called Love. I’m sure this is what they call love.

 

الموسيقى تعلو على الكلمات

تقييمي عشرة من عشرة طبعًا.

غُبار

الجمعة الماضية مرّت بدون تدوينة بسبب تعارضها* مع أيام العيد، والآن أكتب في آخر نصف ساعة من هذه الجمعة لعدة أسباب، أوّلها محاولتي للحاق بما فاتني من الدروس في منصة Udacity / IPND التي لم أكن قد فهمت طبيعة متابعة الحصص فيها لأنتبه لاحقًا إلى أنني قد فوتت درسين بمجموع 82 حصّة:) وبطبيعة الحال توجب عليّ الانتهاء منها جميعًا  -بالمناسبة، تعلمت لغتي HTML و CSS وأشعر بشعورٍ رائع وأنا أفهم كل شيء يقع تحت عيني في صفحة الويب التي أكتب فيها حاليًا!-. أمّا عن السبب الثاني فهو حملة التنظيف في بيتنا القديم، كمية هائلة من الغبار تقابلها كمية هائلة من الذّكريات التي حاولت تنظيف وفرز نصفها على الأقل قبل الغد.
هذه الحملة جعلتني  أؤمن بأنني مصابة بمرض اسمه “اللا-تخلي”، حيث أنني أكدّس عددًا كبيرًا من الأشياء التي لم يعد لوجودها أيّ معنى بحجة (الاحتفاظ بالذّكريات): منديل/ جزء من ورقة/ غلاف “حلاوة”/ ميدالية مكسورة، وهلم جرا. لا أستطيع القول بأنني لا أتذكر الأسباب التي دعتني لأن أحتفظ بهذا كلّه، أكاد أتذكر تفاصيل كل شيء ولكن كلّ هذا كان -بطريقة أو بأخرى- سببًا لأن أتأخّر في المضيّ. وبعد أن قرأت عن الـMinimalism – مبدأ التجرّد والخفّة، آمنت بأنني لا أرغب شيئًا أكثر من أن أكون خفيفة. خفيفةً من الأشياء والأشخاص والكلمات، لهذا تخلصت من كل شيء (تقريبًا :)

تصفّحتُ مذكراتي. بدأتُ بكتابة المذكرات في الصفّ الثالث تقريبًا، كنتُ أكتب التفاصيل الحرفيّة لأيامي -مرفقة برسومات توضيحيّة، وجهُ أختي مع ضربةٍ في عينها مثلًا- إلى أن بدأت مرحلة المراهقة السوداء وأصبحت المذكرات أداةً لتفريغ مشاعري من استياءٍ من العائلة إلى كرهٍ للعالم بأسره، بالإضافة إلى مشاعر الإعجاب العابرة واقتباساتي المفضّلة من القصائد والأغاني، انتهاءً بالخطط والجداول التي لم تُنفّذ مطلقًا. كنتُ غارقةً في الأسى لأسبابٍ مجهولة، صحيح أنني لطالما كنت “دراما كوين” ولكن الآن وبالرجوع إلى تلك الأيام السالفة، لم يكن لدي سبب حقيقي لأكون بذلك الحزن المطلق! أتساءل إذا كنتُ بعد عشرة سنواتٍ أخرى سأقول نفس الشيء عن دراما إستبرق العشرينية؟ لن نعلم أبدًا :)
لكنني ممتنّة. ممتنة لإستبرق الصغيرة لمشاركتي هذا كلّه، أعتبر كل هذه الدفاتر الستّة آلة زمنٍ من نوعٍ خاص، فبمجرّد تصفحي لها أشعر وكأنني أعودُ إلى ذلك التاريخ بالضبط، فأتذكّر حتى رائحة المنزل ذلك اليوم، أو صوت ضحكة أمّي، أو صوت المكيّف البارد في غرفتنا المظلمة التي هربتُ إلى ركنٍ مضيءِ منها.. لأكتب. أنا ممتنة لقائمة الأهداف التي -وإن لم تتحقق كلّها- ذكرتني بمن كنتُ

وكيفَ أصبحت، وذكرتني بصعوبة وقساوةِ الحياة وقت معرفتي بأن حلمًا ما من كومة الأحلام تلك لم ولن يتحقق، وبرحمةِ الله حين زرع في قلبي حلمًا آخر لأمضي. ممتنة لهذا كلّه.

 

مقتطفات من مذكّرة:

“كان بودّي أن أكونَ مصدر الكلمات المشرقة. أن أكون ضوءًا في نهاية نفقٍ مظلمٍ لأحدهم، عود الشجرة الذي يُتمسّك به كي لا يسقط للهاوية، أو تلك الفكرة الحاضرة دائمًا بذهنه. ولكن -ياللأسف-، اكتشفتُ بأنني لا أقوى أن أكون أكثر من مجرّد عابر”

“إنني أتخلى عن كلّ شيءٍ الآن. عن تلك الأفكار التي ظننتُ أنني لن أتخلى عنها يومًا، أنا الآن أجعلها تستريح من ذلك التشبث المريع.”

“إلى الله، أنا أرغب أن أتمتع بامتيازات حبّك”

 

 

ألقاكم في جمعةٍ أخرى :)

 

____________

*تعارضها: واضح إني شايلة هم الجدول وتعارض المواد؟

#تدوينة_الجمعة: قرار جديد!

لا أعلم متى بدأت تكبر نزعة التسويف فيّ، تتراكم الكلمات في المسودات يومًا بعد الآخر، فلا أنا أجد الرغبة في إكمالها ولا الوقت الكافي لتعديلها وهلم جرا.
أذكر تماما حين وصلتني رسالة الخصم من ووردبرس بعد شرائي اسم الموقع، وأذكر أيضًا بأنني وعدتُ نفسي وعودًا كثيرة من أجل المدوّنة وأن ألتزم بها أكثر بعد أن أصبح الرّابط (محترمًا) ولكن “بو طبيع ما يجوز عن طبعه” D:
لذلك سأفرض على نفسي هذا الالتزام، أن أكتب في كلّ جمعة. أي شيء/كلّ شيء. المهم أن أخصص لنفسي وقتًا لأحكي فيه عن نفسي، ففي غمرة هذه الانهيارات العقلية* التي أمرّ بها أظنني أحتاج لأن أعودَ إليّ أكثر.

 

لنبدأ :)

يوم غريب

إستبرق،
ترا الساعة 10 ونص..
راحت عليك المحاضرة!

كانت هذه مقدمة اليوم الغريب. نهضتُ مفزوعةً لهذا الغياب غير المخطط له إطلاقًا ورسلتُ لصديقاتي عما إذا كانت إحداهن لم تذهب للجامعة بعد لأذهب معها، أمّا أمي فقد كان الندم يملؤها لأنها لم تنهض لإيقاظي. قلتُ لها مرارًا بأنني “بغام” في تلك المادة بالتحديد وحضوري وعدمي واحد، بل إنني سعيدة بتمكني من تناول الإفطار معها أكثر من أي شيء آخر. لا شيء استثنائي آخر حدث، دخولي المتأخر للمحاضرة الثانية،دكتور البايثون وتعقيبه على سرحاني: “إستبرق، انت نحتاج نسويلك ميثود خاص فيكِ، istabraq.wait” وأظنها كانت أجمل نكتة قيلت عن سرحاني الدائم والمستمر في المحاضرات:

wait

أكملتُ يومي العادي جدًا والأقرب لأن يكون سعيدًا بالذهاب إلى درس الخطّ، الجرعة الأسبوعية التي تخفض نسبة الاكتئاب وتزيد من مستوى الشغف في دمي، وفي طريق الرّجوع الطويل، ووسط ضحكات البنات وتجاذب أطراف الحديث..حدث شيءٌ ما فجأة. لقد ثقلت أطرافي.
بمجرد استرجاعي لذلك الشعور المهيب أشعر بالخدَر، لقد ثقلت عيني، اشتدّت عضلات رقبتي، وأشعر بيدي وهي تنسلّ مني حتى أنني لم أعد أستطيع ضمّ قبضتي بقوة، وأما عن قلبي فأنا لا أعلم هل كان اهتزاز قماش عباءتي الأسود دقات قلبٍ.. أم رجفة خوف؟ كان الضعف يتسلل إليّ .. وعيني تتأمل الطريق بعجز: هل سأموت؟
بطبيعتي الدرامية، فقد كان هذا السؤال شعار كل مراحل حياتي، فلطالما كانت أبسط الاضطرابات تجعل فكرة الموت تسكن فيّ أكثر، ولكن اليوم كان هذا التساؤل حقيقيًا.. كانت الأصوات ماضية في اختفائها، وبصري ماضٍ في تشوشه.. كنت أشعر بلحظات انتهاء الفيلم، لحظات إسدال ستار المسرحيّة.. ولكن دون تصفيق.
هل سأموت؟
محتمل جدًا. أراجع أحداث يومي بشكل سريع، هل كان يومًا مثاليًا للموت؟ أتذكر إفطاري السعيد مع أمي، أحاديثي العابرة مع صديقاتي العابرات، ضحكتي التي أبت أن تنتهي في المحاضرة، درس الخط، وآه.. يدي .. يدي المليئة بالحبر بسبب “دفاشتي” المستمرة في عملية تعبئة المحبرة.. هل سأموت بيدٍ مليئة بالحبر؟ الخدر يمتدّ إلى كل مفاصلي، قلبي يكاد يخرج من فمي وعيني تزداد ثقلًا.. لكنني لا أريد أن أموت. لأن أمي ستحزن. هي لم تتعافى بعد من وفاة أخي الأكبر فلمَ أزيدها حزنًا؟ لكن الله رحيمٌ بها أكثر.. هل سيأخذ روحي رحمةً بها؟ هل يمكن لبقائي على قيد الحياة أن يوجعها أكثر من موتي؟

..
.
لكنني لا أريد أن أموت.

وصلت البيت وتمددت على الأرض وبكيتُ كما لم أبكِ من قبل، لقد بكيتُ بأسى، بكيتُ فزعًا من ظل عزرائيل الذي شعرتُ به وسط تلك الرهبة، بكيتُ وعودي التي أخلفتها مع الله، بكيتُ تأجيلي لجواب غدير عن رسالتها لي”كيف حالش؟”، بكيتُ عجْزي وقلة حيلتي، إلى أن جاءت أمي مفزوعةً من الجسد الأسود الممدد على الأرض. كانت فزعةً وتتحسس وجهي بقلق الشخص الخائف من الوداع، مسحتْ وجهي بماء رقيةٍ لأصمت بعدها بدمعٍ يهطل دون أن أشعر. لطالما تكوّرت على نفسي في ليالٍ عديدة وأنا أدعو لنفسي بالفناء، لطالما تمنيتُ الموت، لطالما سعيتُ له. لقد كانت فكرته تسيطر على رأسي منذ شهور عديدة، ولكنني اليوم أدركتُ بأنني أخافُ منه أكثر من أي شيء آخر.
كنت خائفة حدّ الموت.. من أن أموت.

___________________________________________________________________

لقد كان يومًا غريبًا.