يوم غريب

إستبرق،
ترا الساعة 10 ونص..
راحت عليك المحاضرة!

كانت هذه مقدمة اليوم الغريب. نهضتُ مفزوعةً لهذا الغياب غير المخطط له إطلاقًا ورسلتُ لصديقاتي عما إذا كانت إحداهن لم تذهب للجامعة بعد لأذهب معها، أمّا أمي فقد كان الندم يملؤها لأنها لم تنهض لإيقاظي. قلتُ لها مرارًا بأنني “بغام” في تلك المادة بالتحديد وحضوري وعدمي واحد، بل إنني سعيدة بتمكني من تناول الإفطار معها أكثر من أي شيء آخر. لا شيء استثنائي آخر حدث، دخولي المتأخر للمحاضرة الثانية،دكتور البايثون وتعقيبه على سرحاني: “إستبرق، انت نحتاج نسويلك ميثود خاص فيكِ، istabraq.wait” وأظنها كانت أجمل نكتة قيلت عن سرحاني الدائم والمستمر في المحاضرات:

wait

أكملتُ يومي العادي جدًا والأقرب لأن يكون سعيدًا بالذهاب إلى درس الخطّ، الجرعة الأسبوعية التي تخفض نسبة الاكتئاب وتزيد من مستوى الشغف في دمي، وفي طريق الرّجوع الطويل، ووسط ضحكات البنات وتجاذب أطراف الحديث..حدث شيءٌ ما فجأة. لقد ثقلت أطرافي.
بمجرد استرجاعي لذلك الشعور المهيب أشعر بالخدَر، لقد ثقلت عيني، اشتدّت عضلات رقبتي، وأشعر بيدي وهي تنسلّ مني حتى أنني لم أعد أستطيع ضمّ قبضتي بقوة، وأما عن قلبي فأنا لا أعلم هل كان اهتزاز قماش عباءتي الأسود دقات قلبٍ.. أم رجفة خوف؟ كان الضعف يتسلل إليّ .. وعيني تتأمل الطريق بعجز: هل سأموت؟
بطبيعتي الدرامية، فقد كان هذا السؤال شعار كل مراحل حياتي، فلطالما كانت أبسط الاضطرابات تجعل فكرة الموت تسكن فيّ أكثر، ولكن اليوم كان هذا التساؤل حقيقيًا.. كانت الأصوات ماضية في اختفائها، وبصري ماضٍ في تشوشه.. كنت أشعر بلحظات انتهاء الفيلم، لحظات إسدال ستار المسرحيّة.. ولكن دون تصفيق.
هل سأموت؟
محتمل جدًا. أراجع أحداث يومي بشكل سريع، هل كان يومًا مثاليًا للموت؟ أتذكر إفطاري السعيد مع أمي، أحاديثي العابرة مع صديقاتي العابرات، ضحكتي التي أبت أن تنتهي في المحاضرة، درس الخط، وآه.. يدي .. يدي المليئة بالحبر بسبب “دفاشتي” المستمرة في عملية تعبئة المحبرة.. هل سأموت بيدٍ مليئة بالحبر؟ الخدر يمتدّ إلى كل مفاصلي، قلبي يكاد يخرج من فمي وعيني تزداد ثقلًا.. لكنني لا أريد أن أموت. لأن أمي ستحزن. هي لم تتعافى بعد من وفاة أخي الأكبر فلمَ أزيدها حزنًا؟ لكن الله رحيمٌ بها أكثر.. هل سيأخذ روحي رحمةً بها؟ هل يمكن لبقائي على قيد الحياة أن يوجعها أكثر من موتي؟

..
.
لكنني لا أريد أن أموت.

وصلت البيت وتمددت على الأرض وبكيتُ كما لم أبكِ من قبل، لقد بكيتُ بأسى، بكيتُ فزعًا من ظل عزرائيل الذي شعرتُ به وسط تلك الرهبة، بكيتُ وعودي التي أخلفتها مع الله، بكيتُ تأجيلي لجواب غدير عن رسالتها لي”كيف حالش؟”، بكيتُ عجْزي وقلة حيلتي، إلى أن جاءت أمي مفزوعةً من الجسد الأسود الممدد على الأرض. كانت فزعةً وتتحسس وجهي بقلق الشخص الخائف من الوداع، مسحتْ وجهي بماء رقيةٍ لأصمت بعدها بدمعٍ يهطل دون أن أشعر. لطالما تكوّرت على نفسي في ليالٍ عديدة وأنا أدعو لنفسي بالفناء، لطالما تمنيتُ الموت، لطالما سعيتُ له. لقد كانت فكرته تسيطر على رأسي منذ شهور عديدة، ولكنني اليوم أدركتُ بأنني أخافُ منه أكثر من أي شيء آخر.
كنت خائفة حدّ الموت.. من أن أموت.

___________________________________________________________________

لقد كان يومًا غريبًا.

على غير العادة

(1)
أيامي مؤخرًا لم تبدُ اعتيادية أبدا، كل شيء -كان ماديًا أو معنويًا- يضيع ويغيب فجأة دون أي مقدمات، فقلم الخطّ الذي اشتريته مؤخرًا أراهُ يستخدمُ في تلوين بطاقات دعوة لحفلة وهمية، وحذائي الأزرق المفضّل تهيل عليه العاملة كومة أحذيةٍ ليعوجّ ويصبح غير قابلٍ للاستخدام، قميصي المفضّل ينشقّ فجأة، الماسكرا التي تتولى مهمة إنقاذ رموشي تنتهي، والرسالة التي حافظتُ عليها طويلا في خزانتي يأتي ابن أختي ليمزقها دون أن يعي منها حرفًا. ثم أتساءل، هل أصرخ تلك الصرخة العظمى التي يرتعب منها أبناء إخوتي فأبدو لهم مصدر خطرٍ أول لينفضّ الجميع من أمامي؟ أم أبكي حزنًا على أشيائي المتساقطة يومًا تلو الآخر؟ أم أضربه حتى يتعلم من خطئه؟ .. ولافائدة من الخيار الأخير، فهو حتمًا سيعود لفعلها مرةً أخرى. لم يهبني الله كل هذا القلق؟
إنّ الموضوع أعمق من أن يتعدى الأطفال على مساحة الراحة خاصتي -My comfort zone- والتي أعمل جاهدةً على أن أحافظ عليها وعلى حدودها، إنه يتعداهم ليصل إليّ، لقد أصبحتُ كائنًا هلوعًا في غضون أشهر، أبالغ في المحافظة على التفاصيل، أبالغ في الاهتمام بردات الفعل، وأتضايق حين أتوقف عن شغفي في شيءٍ كنت أتمنى أن أحبه لمدةٍ أطول. يبدو أنني وبشكلٍ ما، خائفة من العالم الذي يسكن ماوراء دائرتي، العالم الذي لايهتمّ إن كنت أحب الشيء.. فهو سينزعه، ولا يهتمّ بطبيعة الحال كرهي لأي شيء آخر، فهو سيهبني اياه وسيكون تقبلي له مسألة وقت. وآه، ما أسوأ أن يكون تقبل الشيء مسألة وقت عندي، أنا التي لا أملك شيئًا أواجهُ به نفسي وغيري إلا عنادي. هل ستكسره أيضًا.. عزيزي العالم؟

tumblr_ora2mx7LHi1qzcapfo1_540

The Atrist: JULIA SANTAOLALLA

(2)
حفظي للقرآن في وقتٍ مبكّرٍ أدى إلى فهمي لهُ بطريقةٍ طفوليّةٍ بحتة تتعارض مع كل التفاسير وأسباب النزول، إذ أنني لطالمات مافسرتُ “وَإ نّ اللهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ” أنّ الله يُلمّعُ المحسنين -أي يهبهم لمعةً خاصةً في وجوههم- ليجعلهم مميزين عن غيرهم، ولم أسأل عن صحّة فهمي مطلقًا لإيماني بأنه الفهم الصحيح، إلى أن واجهتُ صدمة حياتي ودرستُ لام المعيّة، ووقتها .. لم أودّ لتلك اللمعة أن تزول.
واحدةُ من تلك الآيات هي “اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ” فقد فسرت بغير عَمَدٍ : بغير قصد! لأستلقي في وسط ساحة المنزل وأنظر إلى السماء . فأسألها..كيف رفعها الله بدون قصده؟ إنها عظيمةٌ جدًا..أنى لها أن تُرفع بغير قصد؟
كانت تلك أولى محادثاتي مع السماء. هذه المرة تجاوزتُ فهمي الخاطئ سريعًا بعد أن أفصحتُ لأمي التي تبسّمت وهي تجاوب أن المقصود بأنها رفعت من غير أعمدة -وهو ماجعل الأمر منطقيًا أكثر، بالطبع-.
خُمِد الفضول، وبدأت علاقةُ فريدةُ بيني وبينها. لقد ائتمنتها على أسرار طفولتي وأهمها أن لا تخبر أحدًا أن بيتر بان هو صديقي، كنت أرجوها أن تخبرني الأشكال التي تكونها سحبها، فلم الجميع يستطيع أن يرى أحصنةً وأشكالًا في السحب بينما أنا لا أرى إلا كومة قطن بيضاء؟ وطبعًا.. لا أنسى اللحظة التي شهدتُ فيها حركة السّحبِ لأوّل مرة، توقفتُ عن ممارسة كل نشاطاتي في المزرعة لأرفع رأسي في ساعةٍ تسبقُ نزول المطر..وخفقَ قلبي بقوّة.. لقدتحركت السحابة!
(3)
لا أدري لمَ أستحضر ذكريات إستبرق الصغيرة وفهمها للعالم، لربما أنا أشتاق لفهمها المبسط، لأصدقائها الوهميين، لمحاولاتها المستميتة في أن تخلقَ لنفسها محيطًا يشبهها.. لقد كانت حقيقةً أكثر.
لا أدري حتى لم استيقظتُ لأكتب هذا كله، ولكن أدري بأنني حزينةٌ ومتعبةٌ جدًا، بدون أية أسباب واضحة. تعودتُ على مهارتي في اختلاق الدراما، لكن كل السيناريوهات الحزينة والمواقف المأساوية السابقة قد مرّت بشكلٍ أسرع.. لم أستصعبُ التجاوز هذه المرة؟

 

يستحسنُ بي أن أنهي هذا الشّتات.
و
“صبحٌ جميلٌ..ياجميلُ.. مجددًا!”

Happy new future

أن أكون أختًا صغرى، هذا يعني أنه لطالما ما آثرت التجسسّ على نقاشات إخوتي ليلًا على موعد نومي، أو الإنصات إلى تحليلاتهم السياسية-الاقتصادية-الدينية-الاجتماعية بدل مذاكرتي لاختبارٍ مصيريّ.. و قبل عشرِ سنواتٍ من الآن كان بابُ غرفة المعيشة يغلق في وجهي كي لا أتدخل في شؤون الكِبار ،أما الآن فهوَ مشرّعٌ لي كما لم يكن قبلًا كي أفكّر وأسأل. حين أفكر في “كيف يتشكل الوعي” لا أستطيع أن أفكر إلا بهم، إخوتي. كانوا بمثابةِ الجسر الذي يصل بين عالمِ أحلامي الأزرق وبين العالم الحقيقي المليء بالكلمات الهيروغليفية التي كانت عصيّةً على عقلي الصغير يومها ولكنني الآن أفهمها حرفًا حرفا، وهذا زاد من ولعي أن أصبح “هيروغليفيةً” معهم أكثر.
إنها مقدمة ضرورية لأخبركم فيها أننّي في 2016 وبعد مرحلة صقلٍ طويلة للذات بدأت (أفهم) بدايات عملية صنع الفكر وترتيب الأفكار والأولويات، لقد كانت مفاهيمًا تهيم على وجهها في عقلي أما الآن فقد أصبحت مرتبةً وواضحة كما لم تكن من قبل. لن أكتب تقييمي العام لها أو أذكر أحداثها، ولكن سأعلن بأنّها قد مضت.. بكلّ مافيها.. وبأننّي أرحّب بالمستقبل الجديد، الذي لا أتمنّى فيه أن يكون كما أرغب، بل أن أمشي فيهِ وعبره بخطواتٍ ثابتة، وبرأسٍ مرفوع.

أمنيات |

  • قرائية: No more of Reading Challenges :-) .
    تماما كما هو الحال في كلّ عام، تتم تصفية الفائزين في تحدياتهم في موقع goodreads ودائمًا ما أكون المصفّق لإنجازات الآخرين. بدأتُ حماس التحدي في 2012 بهدف قراءة 100 كتاب و بدأ العدد يقل تدريجيا حتى وصل إلى 10 كتب في 2016 ولم أفز مطلقًا، فلذلك قررت إيقاف مهزلة اندفاعي في كلّ عام. لأنني لطالما ماكنت إستبرق، التي ما أن أبدأ في تقييد الهدف حتى أخرَّ مُجهدةً قبل أن أمضي فيه. طموحي تحوّل من قالبٍ بعدد كتب معيّن إلى سماء رحبةٍ من مجالات متعددة. سأحبّذ أكثر لو صببتُ اهتمامي على شيئين. أولًا؛ بدء التوجه لتاريخ العالم بشكل عام، عُمان بشكل خاص، والإلمام به أكثر. لقد قضيت فترة طويلة وأنا أشمئزّ من فكرة أن أحدهم قد اختار لي الجزء الذي يجب علي معرفته من التاريخ وبنظرتهِ هو دون أن أعرف الحيثيّات الأخرى للقصة وزوايا النظر المختلفة -وهذا بالضبط مايحصل الآن في الدروس المتعلقة بالتاريخ سواء كان في المدرسة أم الجامعة- لذلك قررت المضيّ في هذا المجال مهما اقتضت المدة اللازمة للتعمّق فيه. ثانيًا؛ اعتماد ثقافة التلخيص. إنها تختلف عن المراجعة، لن أكتب رأيي المتعلق بالكتاب وحسب، بل سأصنع مرجع أفكاري الخاصّ. إنها مهمّة شاقة علي وأنا أعرف ذلك، لطالما ماكان تلخيص قصصي المدرسيّة المهمة الأصعب والأثقل على قلبي، لكن لاتوجد طريقة أخرى لجعل استفادتي من الكتب التي سأقرؤها مضاعفة.
    من ضمن مبادرة تعدد القراءات، سأقوم بتطبيق تحدي 365 مقالًا ، واشتركت في قنوات للمقالات العلمية العربية والمترجمة في تيلجرام ولا يمنع من كسر حاجز اللغة قليلاً و قراءة البعض باللغة الإنجليزية. التحدي بالنسبة لي سيكون أكثر بكثير من مجرد تحقيق رقم معين في القراءة كما أسلفت سابقا عن تقييد الهدف أعلاه، إنّه حلٌّ لتسويفي للمهمات العابرة اليومية. وأتمنى أن ألتزم :)
    ملاحظة: ستكون هناك صفحة مستقلة لروابط وعناوين المقالات التي ستُقرأ وسيتم تحديثها بشكل دوري.
  • كتابية: لايوجد مكان أفضل من المدونة لتحقيق أمنياتي الكتابية فيه D: أتمنى بشكلٍ عميقٍ شديد العمق أن أدشّن محاولاتي القصصية والمسرحيّة الأولى هنا، فشحّ الخيال عندي أدى إلى توقف المحاولات تماما لكنني سأسعى إلى تغذيته جيدًا. الأمر سيكون مرهقًا جدًا، خاصة مع هروبي المستمرّ من أن أسكب نفسي في ورقة، لكنني أملك إحساسًا بأن هذه المحاولات ستشقّ طريقًا ما نحوي لأعبره.
  • اجتماعية: سأتوقف قليلًا عن دوامة الصداقات التي حالما تبدأ لا أدري كيف تنتهي، سأتوقف عن السّعي نحو الأشخاص مهما كانوا. المعاناة الأبرز في السنين الماضية تمثلت في أنني حالما أرى نجمًا يضيء أقف مشدوهةً لوهلة ثم أسعى لجعله يركن بجانبي بكل ما أوتيت من قوّة حتى يخبو ويفقد ضوءه. لقد قررت أن أضع مسافة الأمان وأن أتأمّل عن بعد. في الحقيقة، سأركّز أكثر على أن أكون عمّةً رائعة لبنات أخوتي اللواتي قد كبِرن دون أن أنتبه، سأحاول تقليل انزعاجي من التساؤلات البديهيّة المتكررة وفضولهنّ بأدنى تفاصيل حياتي وتجاهلي لهنّ بحجة أنهن صغار. أذكر تمامًا استيائي من ردود فعل الذين حسبتهم كبارًا حين كنت مثلهن، أذكره بشكلٍ واضحٍ جدًا.. ولن أدع حاجزًا عمريًا يحول بيني وبين أفكارهنّ المُزهرة :)
  • مهاريّة: الخطّ .. ولاشيء غيره. أن أصبّ جهدي واهتمامي كله عليه، لأنّني لم أذق شيئًا أجمل من أن ينساب حرفٌ ما على ورقٍ مصقول كما ترغب فعلًا وكما كنت تتدرب عليه مائة مرّة. كان الخطّ شيئًا كماليًا قبل ذلك، لكنه الآن أصبح مرادفًا آخر لإستبرق التي أرغب أن أكونها.. ولن أرضى بمسمى أقلّ من محترفة.
  • إستبرقية: أن أعتني بقلبي أكثر ♥

لم أكتب هذه التدوينة بسبب 2016 و 2017، لقد كتبتها لأن إستبرق في هذا الكون.. وفي الأكوان المتوازية الأخرى، سترغب بتحقيق كل هذا فعلاً. :)
أنا لا أتمنى لنفسي سنةً سعيدة..
أتمنى لها مستقبلًا سعيدًا بأكمله.

أقصوصة أمي

 

لازلت أسمع صوت السيارة في طريق دبيّ الطويل، مهاترات أخوتي، ورأس أمّي الذي يستند على زجاج السيّارة وهي تردد آيات حفظها الأخير. صوتٌ عميق، خُلّد في داخلي وكأنه موسيقى افتتاحيّة لفيلمٍ دراميّ طويل.. يبدأ بقراءتي لكتابٍ اسمه “أرجوك اعتنِ بأمّي” ــ ولا ينتهي!
روايةٌ اخترتها اعتباطًا من بين روايات صديقتي الكثيرة. تأهّبت كثيرًا لذلك الطريق الطّويل.. حمّلت عدة حلقات من مسلسلٍ كوميديّ سخيف، أخذت ثلاثة روايات وديوان شعريّ خفيف لفاروق جويدة، ولا أدري لم استغرقت كل ذلك الوقت في التخطيط لطريقٍ بدا لأخي السّاخر وكأنه طريقٌ أبدي. مرت ثلاث سنوات تقريبا على هذا الحدث، وبالرغم من أنني نسيتُ معظم ماقرأت ومافعلت في تلك الرحلة إلا أن كان لها أثرها المتواصل في داخلي.

تتحدث الرواية عن قصة أمٍ كورية (تقليدية) تقرر أن تذهب إلى سيول/العاصمة لزيارة أولادها فتفقد طريقها فجأة، فيبدأ الأبناء في تذكر جميع تفاصيلها، كيف كانت تطبخ/تزرع/تقطف/تنتظر كأيّ أمٍ عاديةٍ أخرى. فقدَ الجميع نفسه في اللحظة التي فقدوها وكأنه قد اختفى الشخص الوحيد الذي كان بإمكانه أن يفهمهم في العالم، وكما فقدوا أنفسهم فقد اكتشفوا بأنهم لا يعرفون عن أمهم أي شيء سوى أنها كانت: أمهم.

أتذكر تمامًا اللحظة الأخيرة التي أغلقت الكتاب فيها معلنةً انتهاءه، كنّا قد أوقفنا السيارة في كورنيش الشارقة، وأول شيء فعلته بعد ذلك هو أنني تأملت ظهر أمي طويلًا.. طويلًا، وسألت نفسي: من هي؟
إنها أمي، ولكن أريد أن أعرفها كشخصٍ مجرّد من الأمومة، قبل أن أظهر وقبل أن يظهر جميع أخوتي للعالم، كيف كانت أمي المصنوعة من الطين والأحلام؟ مالحلم الذي حال بينها وبينه وجودي؟ فبدأت رحلة الأسئلة عنها، عن قصص إخوتها الذين ماتوا قبل أن أعرفهم، زواجها بأبي، طموحها الدراسي.. بالتأكيد كانت فتاةً مثلي يومًا ولها قائمة أحلامها اللامنتهية_هل تحقق شيء منها؟
قصتها كانت قصة مليئة بالدموع والضحكات، تعلوها نظرة الحب الحزينة وهي تتكلم عن عمها الذي علمها أبجديات التساؤل وماهيته، وتغزو الابتسامة وجهها وهي تحدثني كيف أنها كانت ضحوكةً بشكل يثير الاستغراب لدرجة أنها حين تهم بالضحك على شيءٍ سخيف تتوقف فجأة لتتأمل أظافرها: طولهم، تركيبهم، شكلهم.. حتى تهدأ وتسكت -أصبحت هذه الحركة حركتي المفضلة حين أرغب بأن أنفجر ضحكًا في وجه أحدهم بدون سبب- ، رأت مذكراتي فحدثتني عن مذكراتها التي حرقتها لأنها لاترغب أن يعرف أولادها الحقيقة على حدّ قولها، لأهزّ رأسي وتتفاقم في دماغي رغبة أن أعرف كل حرفٍ خطته هيَ على أي ورق. لقد كان ممتعًا أن أسبر أغوار أمي شيئًا فشيئًا.. أن أعرفها كشخصٍ قبل أن أظهر في رحمِها فجأة. وكانت تفاصيلها عميقة للدرجة التي أنني بعد أن أستمع إليها أصبح غير قادرة على النوم. أفكر كيف لأمي عبور كل هذه السنوات بخفّة، كفاحها الذي لايصل لنقطة نهاية، حبها الذي لاينضب.. وأحلامها التي تتجدد، عامًا بعد عام.

“…I have so many dreams of my own, and I remember things from my childhood, from when I was a girl and a young woman, and I haven’t forgotten a thing. So why did we think of Mom as a mom from the very beginning? She didn’t have the opportunity to pursue her dreams, and all by herself, faced everything the era dealt her, poverty and sadness, and she couldn’t do anything about her very bad lot in life other than suffer through it and get beyond it and live her life to the very best of her ability, giving her body and her heart to it completely. Why did I never give a thought to Mom’s dreams?”

أعادت الرواية ترتيب مواقع الأشخاص في حياتي، زادت من نسبة خوفي أن يغيب أحدهم عنّي دون أن أقول له أحبّك بنظرة عينٍ صادقة، أو أن يغيب ويتركني أحيا بشعوري القاتل بأنني قد قصّرتُ في معرفتهِ جيدًا، أنني لم أعرف روحهُ المجرّدة التي تتكون من أحلامهِ فحسب.

أخيرًا..
كما قلت سابقًا، مرت ثلاث سنواتٍ مذ قرأت هذه الرواية. غابت عن بالي تفاصيلها كلها تقريبًا إلا حذاءها الأزرق، لقد كان آخر ما رآه آخر شخصٍ عن أمّهم التي كانت ضائعة في الرواية، و لاتزال ضائعةً في قلبي.

نقطة تحول

(1)
أمرّ مرور العابرين على هذا المكان المهجور لأرى الكلمة المكتوبة بجانب أول تدوينة : “منذ 4 أعوام”، لأتوقف.
4 أعوامٍ مرت دون أن أعرف لماذا عنونتُ هذا المكان باسمي ومالذي حققت فيه، اتجهت للتدوين الأدبي -أي كتابة النصوص- في نفس الحقبة الزمنية التي توقفت فيها عن ممارسة كل نشاطاتي اليومية من قراءة وكتابة أصلاً، ولكل مرحلة أسبابها، لكن لايمكنني إنكار بأنني قد فقدتُ خفّتي في الكتابة وصرت أستثقلها كمهمةٍ صعبة فأصبحت كتابة موسمية عوضًا عن أنها أصبحت تمثل المعنى الحرفي للمثل القائل (في السنة حسنة).
في هذا الأسبوع أعدت ترتيب مفاهيم التدوين بداخل دماغي، السبب في أنني هجرت هذا المكان هو لأنني بنيت حواجزَ عملاقةً بيني وبينه، تكلفت في كتابة المشاعر و قوقعتُ أفكاري كلها في النثر وهذا أرهقني، لذلك سأفتتحها مرةً أخرى بنوايا جديدة، أن تصبح مدونةً “شخصية” وحركية، والنصوص التي تدور في دماغي ستكون جزءًا ضمنيّا من هذا المكان بدل أن يتمحور حولها. فعسى أن يكون هدمي للحواجز موفقًا!

(2)
قلت لأمي مساء الأمس بأن قلبي مزدحم، فحسبَتْ أن ازدحامه بسبب الدراسة وقلقي على المستقبل وبدأت بمواساتي بسيلٍ هائلٍ من الدّعوات -كعادتها المحببة إلى قلبي- لأبتسم وأنا أقول لها في داخلي أنه ازدحامٌ من نوعٍ آخر. إنني أعلم تمامًا أنني أمرّ وأخوض تلك المرحلة العويصة التي تسمى بمرحلة “النضج
التي لاتؤلمني فيها عضلاتي التي تتمدد، بل خلايا دماغي العصبية!
إنني أشعر بها وهي تلتوي وتتعقّد وفوق هذا كله.. إنها تؤلمني، وتجعلني أفقد طريقي فجأة. الأمر الذي أدى إلى شهورٍ عديدة وطويلة من الضياع الداخلي والبحث عن الذات. إنني يا أمي أفكر كثيرًا، وأنجرف بسهولة.. وصدقيني، لطالما آمنت بأنه لم يحمِني شيءٌ من الهاوية إلا دعاؤك.

(3)
قبل 4 أيام خضت أنا وضياء حوار طويل عن “كيف أكون شخص حقيقي”، تباينت تعريفاتنا كالعادة،
كان تعريفي:

“الحياة الحقيقية متمثلة على هيأة إنجازات تمسّ جميع محاور حياتنا، إنجازات اجتماعية في تكوين علاقات جديدة أو الحفاظ على علاقات قديمة (والتخلص منها بطبيعة الحال) أو اكتساب عادة جديدة وترك أخرى قديمة وهكذا.. هذا كله لايتضمن الاستمرارية/الأبدية لأن لكل مرحلة محيطها الخاص وعاداتها الخاصة أيضًا. إنجاز دراسي أكاديمي يخص معدلك، مانبغى إنجازات مثالية..التقدم الطفيف ومحاربة النفس للالتزام بخطة معينة يعتبر إنجاز رائع! إنجازات على المستوى الشخصي من تطوير مهارة أو البحث عن هواية جديدة أو تغيير مجال الكتب الي تقري فيه أو .. أو
كل هذي الأشياء تصنع لنا حياة حقيقية في النهاية”

وكان تعريفها -البسيط جدًا-:

“مفهومي للحياة الحقيقة مش الإنجازات، إنك تسوي الأشياء بصدق”

فخطرت على بالي فكرة ذهبية: أن أفعل الشيئين معًا.. أن أنجزَ بصدق.
لأقترب أكثر من مفهوم الحقيقة.

فلذلك:

مرحبًا بي إستبرقًا جديدة :)

تقاطع طرق

الثامن عشر من فبراير، عيد ميلاد أختي السابع والعشرين، والتي تصاب بنوبة اكتئابٍ حادّة في هذا اليوم بدون أية أسباب واضحة أو منطقية.. أقول لها :”كوني بخير” كمحاولة بائسة لأن أنتشل من عينيها تلك النظرة ولكن لامفرّ.. لطالما ما كنتُ عاجزةً عن إسعادها.. ولن يتغير ذلك في هذا اليوم بالذات.
في عيد ميلادي السابع والعشرين.. مالذي سوف أفعله؟
_

رسالة/
إليكِ، أكتب إليك وأنا أستمع للشرح المفصل لأنشودة المطر. قلتُ سابقًا بأن الشرح يقتل القصيدة، ولكنِ الآن أشعر وكأنني فهمتُ السياب أكثر.
لاعلينا.. لا أدري لم أكتب إليكِ (أنت) بالذات، ربما “استفاقت فيني رغبة” الكتابة، ولم أرغب بأن يقرأني إلاكِ.
يملؤني الشغف تجاه الأشياء الجديدة..شغف متواصلٌ متتابعٌ بأن أزيح الستار عن روحكِ كلها. أن أعرفكِ أكثر.
وهذا الاندفاع يربكني،يرعبني ويخيفني.. من أن أستنزفكِ للحظة التي لايمكن لي فيها أن أغرق أكثر. ولكن مالحل؟ لطالما رغبت في التقائي بشخصٍ عميق بلا حدود، وأن أحب نفسي كلما غرقتُ أكثر..
ولكن لا مناص، لا بد لي من أن أرتطم في عمقٍ ما.. وأنا شخصٌ يكره الدويّ.

_

مَدَدُ من لدنكَ يا الله.

 

سُليمان.

الحادية عشر مساءً .. في مثلِ هذا اليوم في السنة الماضية ، كنا -أنا وبنات خالي وأخواتي- نتمدّد في غرفة جدتي التي بكينا فيها جميعًا .. ونحن نودّع آخر المعزّين في خالي،
ياه .. كيف مرت هذه الأيام؟ وكيف عبرت أنا فيها بكل خفة؟
حين أتفكر في كلّ هذا، وأتفكر في أفراحنا التي استمرت حتى بعد رحيله وإن كانت ناقصة.. أدرك الثغرة العميقة التي تركها فيّ موته .. وأدرك الوجع الشديد الذي كنتُ أستفهم عنه في السابق: “كيف يجيء؟ وماذا يفعل بصاحبه؟” .. لقد جربتُ هذا كله.

لم يكن فقده هو الشيء الوحيد الذي غيّر عالمي هذه الفترة..
صرت ألاحظ أدنى التفاصيل التي تتغير بدون أن أشعر، فعلى سبيل المثال .. لم يعد أبي يسمعني من المرّة الأولى ولا الثانية.. فصرتُ أكررّ الجُمل ثلاث مراتٍ وبنبرة أعلى من النبرة التي كنت أحادثه بها سابقًا .. ضعف أبي التدريجيّ يؤلمني حتى وإن مثّل هو القوة. و لم أعد أشتاق أمي كما كنتُ سابقًا .. بل أصبحتُ أشتاق لها أكثر من كلّ المرات.. وأنا أتساءل عمّا إذا كان بعدي الحاليّ هو الخيار الصحيح؟ ..

حين أموت أنا.. أرغب بأن يتوقف العالم ولو لدقيقة واحدة.. أن تتأخر الشمس على موعد شروقها حدادًا على روحي التي كانت تحبّها، أن تمطر السماء بكاءً عليّ..
حين أموت أنا.. أرغب بأن يكون خبر رحيلي هو الأخفّ وقعًا على قلوب الجميع.

أن تبكي الطبيعة عليّ.. لا أن يبكي البشر.