على غير العادة

(1)
أيامي مؤخرًا لم تبدُ اعتيادية أبدا، كل شيء -كان ماديًا أو معنويًا- يضيع ويغيب فجأة دون أي مقدمات، فقلم الخطّ الذي اشتريته مؤخرًا أراهُ يستخدمُ في تلوين بطاقات دعوة لحفلة وهمية، وحذائي الأزرق المفضّل تهيل عليه العاملة كومة أحذيةٍ ليعوجّ ويصبح غير قابلٍ للاستخدام، قميصي المفضّل ينشقّ فجأة، الماسكرا التي تتولى مهمة إنقاذ رموشي تنتهي، والرسالة التي حافظتُ عليها طويلا في خزانتي يأتي ابن أختي ليمزقها دون أن يعي منها حرفًا. ثم أتساءل، هل أصرخ تلك الصرخة العظمى التي يرتعب منها أبناء إخوتي فأبدو لهم مصدر خطرٍ أول لينفضّ الجميع من أمامي؟ أم أبكي حزنًا على أشيائي المتساقطة يومًا تلو الآخر؟ أم أضربه حتى يتعلم من خطئه؟ .. ولافائدة من الخيار الأخير، فهو حتمًا سيعود لفعلها مرةً أخرى. لم يهبني الله كل هذا القلق؟
إنّ الموضوع أعمق من أن يتعدى الأطفال على مساحة الراحة خاصتي -My comfort zone- والتي أعمل جاهدةً على أن أحافظ عليها وعلى حدودها، إنه يتعداهم ليصل إليّ، لقد أصبحتُ كائنًا هلوعًا في غضون أشهر، أبالغ في المحافظة على التفاصيل، أبالغ في الاهتمام بردات الفعل، وأتضايق حين أتوقف عن شغفي في شيءٍ كنت أتمنى أن أحبه لمدةٍ أطول. يبدو أنني وبشكلٍ ما، خائفة من العالم الذي يسكن ماوراء دائرتي، العالم الذي لايهتمّ إن كنت أحب الشيء.. فهو سينزعه، ولا يهتمّ بطبيعة الحال كرهي لأي شيء آخر، فهو سيهبني اياه وسيكون تقبلي له مسألة وقت. وآه، ما أسوأ أن يكون تقبل الشيء مسألة وقت عندي، أنا التي لا أملك شيئًا أواجهُ به نفسي وغيري إلا عنادي. هل ستكسره أيضًا.. عزيزي العالم؟

tumblr_ora2mx7LHi1qzcapfo1_540

The Atrist: JULIA SANTAOLALLA

(2)
حفظي للقرآن في وقتٍ مبكّرٍ أدى إلى فهمي لهُ بطريقةٍ طفوليّةٍ بحتة تتعارض مع كل التفاسير وأسباب النزول، إذ أنني لطالمات مافسرتُ “وَإ نّ اللهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ” أنّ الله يُلمّعُ المحسنين -أي يهبهم لمعةً خاصةً في وجوههم- ليجعلهم مميزين عن غيرهم، ولم أسأل عن صحّة فهمي مطلقًا لإيماني بأنه الفهم الصحيح، إلى أن واجهتُ صدمة حياتي ودرستُ لام المعيّة، ووقتها .. لم أودّ لتلك اللمعة أن تزول.
واحدةُ من تلك الآيات هي “اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ” فقد فسرت بغير عَمَدٍ : بغير قصد! لأستلقي في وسط ساحة المنزل وأنظر إلى السماء . فأسألها..كيف رفعها الله بدون قصده؟ إنها عظيمةٌ جدًا..أنى لها أن تُرفع بغير قصد؟
كانت تلك أولى محادثاتي مع السماء. هذه المرة تجاوزتُ فهمي الخاطئ سريعًا بعد أن أفصحتُ لأمي التي تبسّمت وهي تجاوب أن المقصود بأنها رفعت من غير أعمدة -وهو ماجعل الأمر منطقيًا أكثر، بالطبع-.
خُمِد الفضول، وبدأت علاقةُ فريدةُ بيني وبينها. لقد ائتمنتها على أسرار طفولتي وأهمها أن لا تخبر أحدًا أن بيتر بان هو صديقي، كنت أرجوها أن تخبرني الأشكال التي تكونها سحبها، فلم الجميع يستطيع أن يرى أحصنةً وأشكالًا في السحب بينما أنا لا أرى إلا كومة قطن بيضاء؟ وطبعًا.. لا أنسى اللحظة التي شهدتُ فيها حركة السّحبِ لأوّل مرة، توقفتُ عن ممارسة كل نشاطاتي في المزرعة لأرفع رأسي في ساعةٍ تسبقُ نزول المطر..وخفقَ قلبي بقوّة.. لقدتحركت السحابة!
(3)
لا أدري لمَ أستحضر ذكريات إستبرق الصغيرة وفهمها للعالم، لربما أنا أشتاق لفهمها المبسط، لأصدقائها الوهميين، لمحاولاتها المستميتة في أن تخلقَ لنفسها محيطًا يشبهها.. لقد كانت حقيقةً أكثر.
لا أدري حتى لم استيقظتُ لأكتب هذا كله، ولكن أدري بأنني حزينةٌ ومتعبةٌ جدًا، بدون أية أسباب واضحة. تعودتُ على مهارتي في اختلاق الدراما، لكن كل السيناريوهات الحزينة والمواقف المأساوية السابقة قد مرّت بشكلٍ أسرع.. لم أستصعبُ التجاوز هذه المرة؟

 

يستحسنُ بي أن أنهي هذا الشّتات.
و
“صبحٌ جميلٌ..ياجميلُ.. مجددًا!”