سُليمان.

الحادية عشر مساءً .. في مثلِ هذا اليوم في السنة الماضية ، كنا -أنا وبنات خالي وأخواتي- نتمدّد في غرفة جدتي التي بكينا فيها جميعًا .. ونحن نودّع آخر المعزّين في خالي،
ياه .. كيف مرت هذه الأيام؟ وكيف عبرت أنا فيها بكل خفة؟
حين أتفكر في كلّ هذا، وأتفكر في أفراحنا التي استمرت حتى بعد رحيله وإن كانت ناقصة.. أدرك الثغرة العميقة التي تركها فيّ موته .. وأدرك الوجع الشديد الذي كنتُ أستفهم عنه في السابق: “كيف يجيء؟ وماذا يفعل بصاحبه؟” .. لقد جربتُ هذا كله.

لم يكن فقده هو الشيء الوحيد الذي غيّر عالمي هذه الفترة..
صرت ألاحظ أدنى التفاصيل التي تتغير بدون أن أشعر، فعلى سبيل المثال .. لم يعد أبي يسمعني من المرّة الأولى ولا الثانية.. فصرتُ أكررّ الجُمل ثلاث مراتٍ وبنبرة أعلى من النبرة التي كنت أحادثه بها سابقًا .. ضعف أبي التدريجيّ يؤلمني حتى وإن مثّل هو القوة. و لم أعد أشتاق أمي كما كنتُ سابقًا .. بل أصبحتُ أشتاق لها أكثر من كلّ المرات.. وأنا أتساءل عمّا إذا كان بعدي الحاليّ هو الخيار الصحيح؟ ..

حين أموت أنا.. أرغب بأن يتوقف العالم ولو لدقيقة واحدة.. أن تتأخر الشمس على موعد شروقها حدادًا على روحي التي كانت تحبّها، أن تمطر السماء بكاءً عليّ..
حين أموت أنا.. أرغب بأن يكون خبر رحيلي هو الأخفّ وقعًا على قلوب الجميع.

أن تبكي الطبيعة عليّ.. لا أن يبكي البشر.