خالد

 

يعلمني د.خالد داي مادة نظم المعلومات الحاسوبيّة لهذا الفصل. المادّة ممتعة جدًا، واستماعي لشرحه يشبه شعور قراءتي لترجمة أغنيتي المفضّلة التي لم أكن أفهم كلماتها قبلًا ولكنني أحبّها لمجرد الحبّ نفسه، والحاسوبُ هنا هو الأغنية. د.خالد يصنّف كـ”أطيب” دكتور في القسم، حنانه يسعُ الجميع، الدكتور الأوّل في تجاوبه مع رغباتنا في تأجيل الاختبارات والتّكاليف ومرونته في تفهّم أيامنا الصعبة التي نعبرها لدرجة أننا نردد بيننا “اللهم خلِّد دكاترتنا”، وهناك إشاعة تقول بأنه كاد أن يختبرَ طالبًا لوحده اختبار المنتصف فقط لأنّه يريد أن يخفف عنه ضغط ذلك الأسبوع، وهذا ما لايحدث في العلوم.
في محاضرة اليوم كانت عيناه تلمعان، بشكلٍ غريب. ربَّمَا كان الإرهاق سببًا في تأخّر إدراكي بأنّ لمعة عينه كانت انعكاسًا لضوء “البروكسيما” التي يقف مقابلها، ولكنني ولوَهلة، تذكّرتُ خالدًا آخر، في مكانٍ بعيدٍ جدًّا، بلمعةٍ حقيقيّة جدًا، وهو يصرخُ باسمي بصوتهِ الحاد -اللطيف جدًا جدًا:

“إستبرق!”

خالد.
الاسم الذي لا يعرفهُ أحد. أذكره في الأيام التي أعبرها وحدي، أفكّر فيه. كم أصبح طوله؟ ما هي الكلمات التي تعلمها بعد اسمي؟ هل تعلّم القراءةَ والكتابة؟ .. هل يتذكّرني؟
أحيانًا أتمنّى لو كنتُ شجاعةً أكثر. كأن أمسك هاتفي فجأة لأتّصل بأمّه وأسألها عنه، وأسأله عن لون حقيبته، واسم معلّمته المفضلة، وعدد أصدقائه في الفصل، ومادّته المفضلة. أتمنّى أن أقرأ لهُ المجلّة قبل النوم، أن نتعرف على شخصيّات مجلةِ ماجد، وأن أشتري له ألوانًا كثيرةً جدًا ودفاترَ أكثر. أتخيل سيناريو أن أنتشله من وسطِ قريته ليعيشَ معي وحدي، أنا وهوَ، لا عائلة، لا معايير، لا قوانين ولا تعقيدات كثيرة، أن أبذل حياتي لأجعله ينسى سنواته السّبع الماضية، أفكر في سيناريوهات كثيرة أخرى، أفكّر كثيرًا.. كثيرًا.. أغرق في التفكير، لأتذكّر بأنني لم أحضنه يومًا فأيّ حقٍ أملك لأن أقرر هذا كله؟.. لقد كان بعيدًا وقريبًا في الوقت ذاته. “هل كان يُحبّني؟” أسأل نفسي.

 

 
هل سيحبّني يومًا؟

 

سُليمان.

الحادية عشر مساءً .. في مثلِ هذا اليوم في السنة الماضية ، كنا -أنا وبنات خالي وأخواتي- نتمدّد في غرفة جدتي التي بكينا فيها جميعًا .. ونحن نودّع آخر المعزّين في خالي،
ياه .. كيف مرت هذه الأيام؟ وكيف عبرت أنا فيها بكل خفة؟
حين أتفكر في كلّ هذا، وأتفكر في أفراحنا التي استمرت حتى بعد رحيله وإن كانت ناقصة.. أدرك الثغرة العميقة التي تركها فيّ موته .. وأدرك الوجع الشديد الذي كنتُ أستفهم عنه في السابق: “كيف يجيء؟ وماذا يفعل بصاحبه؟” .. لقد جربتُ هذا كله.

لم يكن فقده هو الشيء الوحيد الذي غيّر عالمي هذه الفترة..
صرت ألاحظ أدنى التفاصيل التي تتغير بدون أن أشعر، فعلى سبيل المثال .. لم يعد أبي يسمعني من المرّة الأولى ولا الثانية.. فصرتُ أكررّ الجُمل ثلاث مراتٍ وبنبرة أعلى من النبرة التي كنت أحادثه بها سابقًا .. ضعف أبي التدريجيّ يؤلمني حتى وإن مثّل هو القوة. و لم أعد أشتاق أمي كما كنتُ سابقًا .. بل أصبحتُ أشتاق لها أكثر من كلّ المرات.. وأنا أتساءل عمّا إذا كان بعدي الحاليّ هو الخيار الصحيح؟ ..

حين أموت أنا.. أرغب بأن يتوقف العالم ولو لدقيقة واحدة.. أن تتأخر الشمس على موعد شروقها حدادًا على روحي التي كانت تحبّها، أن تمطر السماء بكاءً عليّ..
حين أموت أنا.. أرغب بأن يكون خبر رحيلي هو الأخفّ وقعًا على قلوب الجميع.

أن تبكي الطبيعة عليّ.. لا أن يبكي البشر.