أخرجُ من القسم متوجّهةً إلى مواقف العلوم في ليلةٍ مُقمرة بعد أن وقفتُ في لاب 18 أمام أكثر من 25 شخص – تقريبًا- أتكلّمُ عن نفسي كمترشّحة لمنصب رئيسة اللجنة الإعلامية لمجموعة علوم الحاسب الآلي. لا أتذكّر ماقلته في الحقيقة، غالبًا قد أكون استخدمت تعبيرًا بلاغيًا في مكانه غير المناسب، أو أعدتُ إحدى الجمل ثلاث مرات، لكن هذا لايهم.. لأنني أصلاً كنت المترشّحة الوحيدة للمنصب، وحصلتُ عليه. لا أعلمُ إن كنت قد حملتُ مسؤوليةً أكبرَ منّي، خاصةً وأننّي أحترفُ التملّص من كل شيء أرغب في التملص منه في اللحظة التي أريدها. لكنها تجربةٌ جديدة وأتمنى أن تضيف لي الكثير. بالمناسبة، أكرهُ الدّرج المؤدي للمواقف. لطالما قلتُ لصديقتي بأن نهايتي يومًا ستكون بسببه. متآكلٌ للدرجة التي حتى لو حسبتَ خطوتك ألف مرة، لابد وأن تتعثّر. ماذا لو كنت ألبس كعبًا؟ الأمر يشبه بمحاولة البقاء على قيد الحياة أطول فترة ممكنة. أصُل إلى القمّة وأنا ألهث، أتأمل السماء السوداء الرّحبة والقمر الذي يبدو باهرًا. التفت أحدهم بغتةً مستغربًا من توقفي المفاجئ، وأخذ يرى المكان الذي كنت أنظرُإليه..

تخيلته وهو يشكرني لأني كنت سببًا في استقطاع جزءٍ من وقته ليتأمل تلك اللوحة.

∎∎

على مشارف النّهاية
قلتُ مرةً في حسابي التويتريّ المغمور: “الأيام لا تذهب، ولا تغني ولا تجف ولا تبدأ، نحن من يفعل هذا كله“. والآن وأنا أرى نهاية هذه السّنة تطل في الأفق القريب، أدرك تمامًا بأنني أنا التي مضيتُ فعلاً لا الأيام. كانت سنةً غريبة، وكأنها سنة انكشاف نفسي لنفسي؛ بدَت لي سوءاتي فطفقتُ أخصف على قلبي من ورق الحبّ. الحبّ الذي تهتُ في أزقّته كقطةٍ ضائعة ولا أزال. كانت السنة التي قررتُ فيها أن لا ألوم نفسي أكثر من اللازم، ولا أعاتبها أكثر من اللازم، ولا أشتمها أكثر من اللازم، وأحبّها أكثر من اللازم. أن أمسحَ على وجهي بحبّ الدنيا كله في كل صباح، وبدَل أن أركض إلى المحاضرة وأنا أشتم نفسي على كسلي الذي أخّرني عن موعد استيقاظي، كنتُ أمشي بطمأنينةٍ وأنا أقول لها بأن دقائق النوم الإضافية تلك كانت هديةً من الله الذي يعرف كم كنتُ متعبةً في تلك الليلة

قالت لي هيا في يومٍ دافئ والشّمس تغمرمجلس بيتهم بأنني “نضجت أكثر”، بأنني أصبحتُ أقلّ شكوى وأكثر إنجازًا، لازلتُ أتذكر ذلك الحوار الطويلَ وأشعر بكلماتها تتسللُ قلبي لتتخذ فيه مكانًا تتكئ عليه، حين أخبرتني بأنني يجب أن أتوقف أن أقسو على نفسي. كان أشبه بمحاولة ترميمٍ ناجحة. والآن، وأنا أدركُ بأنني لستُ بذلك السوء الذي كنتُ أحسبني عليه.. أشعر بالقوة لأمضي أكثر.

∎∎∎

-كيف حالك؟
-ستّ حبوبٍ في وجهي في شهرٍ واحد، شعرة بيضاء، وأمعاء على وشك الانهيار.
اضطرابات بطني ليست بجديدةٍ في الساحة، فمنذ الصف الثالث وأنا أتذكر مواعيد مستشفى خولة، التشخيصات التي تقول بأنّ كل شيءٍ سليم وطبيعي وكأنّ صراخي كذبة، وزيت الزيتون الذي “شربته” حين أصبح دهنه على بطني لا يؤدي إلى أي نتيجةٍ تذكر. تعايشتُ مع هذا القلق كل هذه السنين حتى بدت الآلام تمتدّ وتسارعت وتيرة النوبات. ذهبتُ إلى المركز الصحي فقالت بأنها أعراض قولون عصبي وبأن علي مراجعتهم في يومٍ آخر يكون فيه المختبر مفتوحًا لإكمال التشخيص، شعرتُ بأنّها قد سقت بذرة القلقِ ماءً حتى استحالت شجرة. أظنّ أنني بخير، هكذا قلت وأنا ألملم نفسي خارج المركز. لا أظنّ بأنني أحبّ فكرة تسمية الأشياء لأنها تعطيها بعدًا أعمق من اللازم وتحمّلها أكثر مما تستطيع أن تتحمل، ولم أتقبل حقيقة أن يكون لهذا الوجعِ اسمًا إلى أن زارني الألم مرةً أخرى هذه الليلة، ربّما يجب علي أن أستسلم؟

حين كنتُ صغيرة،
تخيلتُ نفسي بتجويفٍ واسع يحل محل بطني،
كنت أؤمن بأنها الطريقة الوحيدة لأعيش حياةً أسهل.

فكرة واحدة على ”

  1. الله النضج الرائع الي أتمنى أوصل له، وأتمنى الكل بصراحة يصل له.
    مبارك المنصب، إن شالله تكونين قدها استبرق 💖 💯

التعليقات مغلقة.