“لا تهزّني؛ فأنا مليء بالدّموع”

لا أعرف هنري كاليه، ولم أكتشف اسمه إلّا قبل دقائق وأنا أبحث عن صاحب الاقتباس الذي وضعتهُ عنوانًا لتدوينة الجمعة التي انقطعتُ عنها جمعاتٍ كثيرة. ولكنني ممتنّة جدًا لهذه الجملة البليغة. لقد قرأتُ الجملة بشكلٍ عابرٍ في تويتر كأي جملةٍ أخرى، ولكنها استقرّت فيّ طيلة هذا الأسبوع الذي كان صعبًا بما تحويه الكلمة من معنى. ماهي الصعوبة التي واجهتها؟ لا أعلم. بالتأكيد هي ليست مصاعب دراسيّة، ولكنني كنتُ ثقيلة جدًا وكأنني أجرّ قدميّ إلى الحياةِ جرًّا. أتأمّلُ وجهي في المرآة في الصباح بازدراءِ العالمِ كلّه لأمضي وأنا أشتم نفسي لطيلة يومٍ كامل بالرغم من أنني لم أفعل أي شيءٍ يستحقّ الشتم.

كانت المرة الأولى لي، أن أكون ثقيلةً لدرجة أنني لم أستطع حتى الدخول إلى المنزل. جلست على المدخل وبكيتُ كلّ شيء: قلبي المثقل، مواقفي، إستبرق التي لم أكنها، وكأن أحدهم كان يهزني لساعةٍ كاملة. طبطبتُ على وجهي، نفضت الغبار عن عباءتي ثمّ دخلت كأن شيئًا لم يكن. متيقنة من أن هذا كله سيمضي، وأتحرق شوقًا أن ألتفت لهذه الأيام وأنا أضحك، لكن الإرهاق يكمن في عيش المرحلة ذاتها. أن أرى الأيام تأكلني دون أن أقاوم، فتزداد الفجوة بيني وبيني ولسان حالي يقول “كأني كنت ناقصة“. فقررتُ قرارًا: أن أواجه أيّامي بالامتنان. امتنانٌ للصحّة التي استشعرتُ قيمتها كثيرًا بعد معاناة خالي في هذا الشهر العصيب الذي لم يسترِح فيه أبدًا. في كلّ مرةٍ أرى فيها يده المليئة بالكدمات، وجهه الشاحب المبتسم، رسائله المليئة بالحب وتعليقاته الساخرة على وضعه الصحي، أتأمّل كم أن الصحة عظيمة جدًا، وأن الأعمال الروتينية التي نقوم بها بلا مبالاة هي عمل مرهق لشخص آخر. امتنانٌ آخر للجامعة، التي مهما كرهت الاستيقاظ لأجلها إلا أنني أراها بمثابةٍ مكانٍ يصقلني يومًا بعد يوم، ممراتها الطويلة المليئة بالشجر والحبّ، أشعرُ بي وأنا أتألّم لأتعلم، أشعر بي وأنا أكبر، وأخوض كل تجربةٍ بحبٍ وشغفٍ كبيرين يكادان أن يتسعا للعالم بأسره. امتنانٌ لهاروكي الذي ينتشلني من كل ركودٍ قرائيّ أمرّ فيه. أنا أجد نفسي في العوالم التي يصنعها، في التجارب التي يخوضها أبطاله، وفي الغرف المغلقة التي تدور فيها كل الحوارات العميقة. امتنانٌ للفنّ الذي لا يفشل أبدًا في جعلي أشعر بالدفء سواء كان مسموعًا أم ملموسًا، خصوصًا حين عرضت المكتبة الرئيسية أمام مبناها منحوتات لا نعلم القصة وراء وجودها لكننا ذهبنا لنقف أمام كلّ عمل ونحن نخمّن مقصد الفنان، واستوقفني هذا العمل ودخل قلبي من أوسع أبوابه، وقررتُ بأنه أمّ: حضنٌ دافئ وكتفٌ واسع. إنها حتمًا أم.

حقوق الصورة لآلاء.

وأخيرًا/ أوجّه امتناني العميق للأشخاص الذين ألقوا كلماتهم العابرة كبذورٍ في قلبي لتنبت زهرةً اسمها: حُبّ. ابتداءً من زيانة، رفيقة التخصص حين أرسلت لي فجأة دون أيّ مقدمات بأنني “إنسانةُ مميّزة”، وأتبعتها برسائل كثيرة لا تعلم هي بأنّها- وبشكلٍ عفوي جدًا كانت ترمّم شيئًا مكسورًا فيّ- وانتهاء بـ”أنا أؤمن بك” حين جاءت في الوقت المناسب بالضّبط. وهنا تذكرت آية الكلمة الطيّبة: أصلها ثابتٌ وفرعها في السّماء

سماءٌ لا تنتهي أبدًا.

شكرًا لأيامي الصعبة، شكرًا لأوقاتي الحلوة. أنا أكبر، وقريبًا سأصبح شخصًا أفضل. :)