غُبار

الجمعة الماضية مرّت بدون تدوينة بسبب تعارضها* مع أيام العيد، والآن أكتب في آخر نصف ساعة من هذه الجمعة لعدة أسباب، أوّلها محاولتي للحاق بما فاتني من الدروس في منصة Udacity / IPND التي لم أكن قد فهمت طبيعة متابعة الحصص فيها لأنتبه لاحقًا إلى أنني قد فوتت درسين بمجموع 82 حصّة:) وبطبيعة الحال توجب عليّ الانتهاء منها جميعًا  -بالمناسبة، تعلمت لغتي HTML و CSS وأشعر بشعورٍ رائع وأنا أفهم كل شيء يقع تحت عيني في صفحة الويب التي أكتب فيها حاليًا!-. أمّا عن السبب الثاني فهو حملة التنظيف في بيتنا القديم، كمية هائلة من الغبار تقابلها كمية هائلة من الذّكريات التي حاولت تنظيف وفرز نصفها على الأقل قبل الغد.
هذه الحملة جعلتني  أؤمن بأنني مصابة بمرض اسمه “اللا-تخلي”، حيث أنني أكدّس عددًا كبيرًا من الأشياء التي لم يعد لوجودها أيّ معنى بحجة (الاحتفاظ بالذّكريات): منديل/ جزء من ورقة/ غلاف “حلاوة”/ ميدالية مكسورة، وهلم جرا. لا أستطيع القول بأنني لا أتذكر الأسباب التي دعتني لأن أحتفظ بهذا كلّه، أكاد أتذكر تفاصيل كل شيء ولكن كلّ هذا كان -بطريقة أو بأخرى- سببًا لأن أتأخّر في المضيّ. وبعد أن قرأت عن الـMinimalism – مبدأ التجرّد والخفّة، آمنت بأنني لا أرغب شيئًا أكثر من أن أكون خفيفة. خفيفةً من الأشياء والأشخاص والكلمات، لهذا تخلصت من كل شيء (تقريبًا :)

تصفّحتُ مذكراتي. بدأتُ بكتابة المذكرات في الصفّ الثالث تقريبًا، كنتُ أكتب التفاصيل الحرفيّة لأيامي -مرفقة برسومات توضيحيّة، وجهُ أختي مع ضربةٍ في عينها مثلًا- إلى أن بدأت مرحلة المراهقة السوداء وأصبحت المذكرات أداةً لتفريغ مشاعري من استياءٍ من العائلة إلى كرهٍ للعالم بأسره، بالإضافة إلى مشاعر الإعجاب العابرة واقتباساتي المفضّلة من القصائد والأغاني، انتهاءً بالخطط والجداول التي لم تُنفّذ مطلقًا. كنتُ غارقةً في الأسى لأسبابٍ مجهولة، صحيح أنني لطالما كنت “دراما كوين” ولكن الآن وبالرجوع إلى تلك الأيام السالفة، لم يكن لدي سبب حقيقي لأكون بذلك الحزن المطلق! أتساءل إذا كنتُ بعد عشرة سنواتٍ أخرى سأقول نفس الشيء عن دراما إستبرق العشرينية؟ لن نعلم أبدًا :)
لكنني ممتنّة. ممتنة لإستبرق الصغيرة لمشاركتي هذا كلّه، أعتبر كل هذه الدفاتر الستّة آلة زمنٍ من نوعٍ خاص، فبمجرّد تصفحي لها أشعر وكأنني أعودُ إلى ذلك التاريخ بالضبط، فأتذكّر حتى رائحة المنزل ذلك اليوم، أو صوت ضحكة أمّي، أو صوت المكيّف البارد في غرفتنا المظلمة التي هربتُ إلى ركنٍ مضيءِ منها.. لأكتب. أنا ممتنة لقائمة الأهداف التي -وإن لم تتحقق كلّها- ذكرتني بمن كنتُ

وكيفَ أصبحت، وذكرتني بصعوبة وقساوةِ الحياة وقت معرفتي بأن حلمًا ما من كومة الأحلام تلك لم ولن يتحقق، وبرحمةِ الله حين زرع في قلبي حلمًا آخر لأمضي. ممتنة لهذا كلّه.

 

wide-face-2
Wide-Eyed Self Portraits

مقتطفات من مذكّرة:

“كان بودّي أن أكونَ مصدر الكلمات المشرقة. أن أكون ضوءًا في نهاية نفقٍ مظلمٍ لأحدهم، عود الشجرة الذي يُتمسّك به كي لا يسقط للهاوية، أو تلك الفكرة الحاضرة دائمًا بذهنه. ولكن -ياللأسف-، اكتشفتُ بأنني لا أقوى أن أكون أكثر من مجرّد عابر”

“إنني أتخلى عن كلّ شيءٍ الآن. عن تلك الأفكار التي ظننتُ أنني لن أتخلى عنها يومًا، أنا الآن أجعلها تستريح من ذلك التشبث المريع.”

“إلى الله، أنا أرغب أن أتمتع بامتيازات حبّك”

 

 

ألقاكم في جمعةٍ أخرى :)

 

____________

*تعارضها: واضح إني شايلة هم الجدول وتعارض المواد؟

4 أفكار على ”غُبار

  1. و بالمناسبة مش من فترة بعيدة جدًا اللي استوعبت كيف إني لما اتمسك بالذكريات المتمثلة ماديًا في اشياء بسيطة و احتفظ بيها إني كنت أثقل على روحي و امنع قلبي من إنه يعيش زي المسافر في الحياة.
    و أحيانًا يحسسني كأنه شكل من اشكال الحرية إنك تنغمر بمشاعر اللحظة و ما تعلق معاها للأبد.
    حبيت تدوينة اليوم. ❤️

التعليقات مغلقة.