يوم غريب

إستبرق،
ترا الساعة 10 ونص..
راحت عليك المحاضرة!

كانت هذه مقدمة اليوم الغريب. نهضتُ مفزوعةً لهذا الغياب غير المخطط له إطلاقًا ورسلتُ لصديقاتي عما إذا كانت إحداهن لم تذهب للجامعة بعد لأذهب معها، أمّا أمي فقد كان الندم يملؤها لأنها لم تنهض لإيقاظي. قلتُ لها مرارًا بأنني “بغام” في تلك المادة بالتحديد وحضوري وعدمي واحد، بل إنني سعيدة بتمكني من تناول الإفطار معها أكثر من أي شيء آخر. لا شيء استثنائي آخر حدث، دخولي المتأخر للمحاضرة الثانية،دكتور البايثون وتعقيبه على سرحاني: “إستبرق، انت نحتاج نسويلك ميثود خاص فيكِ، istabraq.wait” وأظنها كانت أجمل نكتة قيلت عن سرحاني الدائم والمستمر في المحاضرات:

wait

أكملتُ يومي العادي جدًا والأقرب لأن يكون سعيدًا بالذهاب إلى درس الخطّ، الجرعة الأسبوعية التي تخفض نسبة الاكتئاب وتزيد من مستوى الشغف في دمي، وفي طريق الرّجوع الطويل، ووسط ضحكات البنات وتجاذب أطراف الحديث..حدث شيءٌ ما فجأة. لقد ثقلت أطرافي.
بمجرد استرجاعي لذلك الشعور المهيب أشعر بالخدَر، لقد ثقلت عيني، اشتدّت عضلات رقبتي، وأشعر بيدي وهي تنسلّ مني حتى أنني لم أعد أستطيع ضمّ قبضتي بقوة، وأما عن قلبي فأنا لا أعلم هل كان اهتزاز قماش عباءتي الأسود دقات قلبٍ.. أم رجفة خوف؟ كان الضعف يتسلل إليّ .. وعيني تتأمل الطريق بعجز: هل سأموت؟
بطبيعتي الدرامية، فقد كان هذا السؤال شعار كل مراحل حياتي، فلطالما كانت أبسط الاضطرابات تجعل فكرة الموت تسكن فيّ أكثر، ولكن اليوم كان هذا التساؤل حقيقيًا.. كانت الأصوات ماضية في اختفائها، وبصري ماضٍ في تشوشه.. كنت أشعر بلحظات انتهاء الفيلم، لحظات إسدال ستار المسرحيّة.. ولكن دون تصفيق.
هل سأموت؟
محتمل جدًا. أراجع أحداث يومي بشكل سريع، هل كان يومًا مثاليًا للموت؟ أتذكر إفطاري السعيد مع أمي، أحاديثي العابرة مع صديقاتي العابرات، ضحكتي التي أبت أن تنتهي في المحاضرة، درس الخط، وآه.. يدي .. يدي المليئة بالحبر بسبب “دفاشتي” المستمرة في عملية تعبئة المحبرة.. هل سأموت بيدٍ مليئة بالحبر؟ الخدر يمتدّ إلى كل مفاصلي، قلبي يكاد يخرج من فمي وعيني تزداد ثقلًا.. لكنني لا أريد أن أموت. لأن أمي ستحزن. هي لم تتعافى بعد من وفاة أخي الأكبر فلمَ أزيدها حزنًا؟ لكن الله رحيمٌ بها أكثر.. هل سيأخذ روحي رحمةً بها؟ هل يمكن لبقائي على قيد الحياة أن يوجعها أكثر من موتي؟

..
.
لكنني لا أريد أن أموت.

وصلت البيت وتمددت على الأرض وبكيتُ كما لم أبكِ من قبل، لقد بكيتُ بأسى، بكيتُ فزعًا من ظل عزرائيل الذي شعرتُ به وسط تلك الرهبة، بكيتُ وعودي التي أخلفتها مع الله، بكيتُ تأجيلي لجواب غدير عن رسالتها لي”كيف حالش؟”، بكيتُ عجْزي وقلة حيلتي، إلى أن جاءت أمي مفزوعةً من الجسد الأسود الممدد على الأرض. كانت فزعةً وتتحسس وجهي بقلق الشخص الخائف من الوداع، مسحتْ وجهي بماء رقيةٍ لأصمت بعدها بدمعٍ يهطل دون أن أشعر. لطالما تكوّرت على نفسي في ليالٍ عديدة وأنا أدعو لنفسي بالفناء، لطالما تمنيتُ الموت، لطالما سعيتُ له. لقد كانت فكرته تسيطر على رأسي منذ شهور عديدة، ولكنني اليوم أدركتُ بأنني أخافُ منه أكثر من أي شيء آخر.
كنت خائفة حدّ الموت.. من أن أموت.

___________________________________________________________________

لقد كان يومًا غريبًا.