أقصوصة أمي

 

لازلت أسمع صوت السيارة في طريق دبيّ الطويل، مهاترات أخوتي، ورأس أمّي الذي يستند على زجاج السيّارة وهي تردد آيات حفظها الأخير. صوتٌ عميق، خُلّد في داخلي وكأنه موسيقى افتتاحيّة لفيلمٍ دراميّ طويل.. يبدأ بقراءتي لكتابٍ اسمه “أرجوك اعتنِ بأمّي” ــ ولا ينتهي!
روايةٌ اخترتها اعتباطًا من بين روايات صديقتي الكثيرة. تأهّبت كثيرًا لذلك الطريق الطّويل.. حمّلت عدة حلقات من مسلسلٍ كوميديّ سخيف، أخذت ثلاثة روايات وديوان شعريّ خفيف لفاروق جويدة، ولا أدري لم استغرقت كل ذلك الوقت في التخطيط لطريقٍ بدا لأخي السّاخر وكأنه طريقٌ أبدي. مرت ثلاث سنوات تقريبا على هذا الحدث، وبالرغم من أنني نسيتُ معظم ماقرأت ومافعلت في تلك الرحلة إلا أن كان لها أثرها المتواصل في داخلي.

تتحدث الرواية عن قصة أمٍ كورية (تقليدية) تقرر أن تذهب إلى سيول/العاصمة لزيارة أولادها فتفقد طريقها فجأة، فيبدأ الأبناء في تذكر جميع تفاصيلها، كيف كانت تطبخ/تزرع/تقطف/تنتظر كأيّ أمٍ عاديةٍ أخرى. فقدَ الجميع نفسه في اللحظة التي فقدوها وكأنه قد اختفى الشخص الوحيد الذي كان بإمكانه أن يفهمهم في العالم، وكما فقدوا أنفسهم فقد اكتشفوا بأنهم لا يعرفون عن أمهم أي شيء سوى أنها كانت: أمهم.

أتذكر تمامًا اللحظة الأخيرة التي أغلقت الكتاب فيها معلنةً انتهاءه، كنّا قد أوقفنا السيارة في كورنيش الشارقة، وأول شيء فعلته بعد ذلك هو أنني تأملت ظهر أمي طويلًا.. طويلًا، وسألت نفسي: من هي؟
إنها أمي، ولكن أريد أن أعرفها كشخصٍ مجرّد من الأمومة، قبل أن أظهر وقبل أن يظهر جميع أخوتي للعالم، كيف كانت أمي المصنوعة من الطين والأحلام؟ مالحلم الذي حال بينها وبينه وجودي؟ فبدأت رحلة الأسئلة عنها، عن قصص إخوتها الذين ماتوا قبل أن أعرفهم، زواجها بأبي، طموحها الدراسي.. بالتأكيد كانت فتاةً مثلي يومًا ولها قائمة أحلامها اللامنتهية_هل تحقق شيء منها؟
قصتها كانت قصة مليئة بالدموع والضحكات، تعلوها نظرة الحب الحزينة وهي تتكلم عن عمها الذي علمها أبجديات التساؤل وماهيته، وتغزو الابتسامة وجهها وهي تحدثني كيف أنها كانت ضحوكةً بشكل يثير الاستغراب لدرجة أنها حين تهم بالضحك على شيءٍ سخيف تتوقف فجأة لتتأمل أظافرها: طولهم، تركيبهم، شكلهم.. حتى تهدأ وتسكت -أصبحت هذه الحركة حركتي المفضلة حين أرغب بأن أنفجر ضحكًا في وجه أحدهم بدون سبب- ، رأت مذكراتي فحدثتني عن مذكراتها التي حرقتها لأنها لاترغب أن يعرف أولادها الحقيقة على حدّ قولها، لأهزّ رأسي وتتفاقم في دماغي رغبة أن أعرف كل حرفٍ خطته هيَ على أي ورق. لقد كان ممتعًا أن أسبر أغوار أمي شيئًا فشيئًا.. أن أعرفها كشخصٍ قبل أن أظهر في رحمِها فجأة. وكانت تفاصيلها عميقة للدرجة التي أنني بعد أن أستمع إليها أصبح غير قادرة على النوم. أفكر كيف لأمي عبور كل هذه السنوات بخفّة، كفاحها الذي لايصل لنقطة نهاية، حبها الذي لاينضب.. وأحلامها التي تتجدد، عامًا بعد عام.

“…I have so many dreams of my own, and I remember things from my childhood, from when I was a girl and a young woman, and I haven’t forgotten a thing. So why did we think of Mom as a mom from the very beginning? She didn’t have the opportunity to pursue her dreams, and all by herself, faced everything the era dealt her, poverty and sadness, and she couldn’t do anything about her very bad lot in life other than suffer through it and get beyond it and live her life to the very best of her ability, giving her body and her heart to it completely. Why did I never give a thought to Mom’s dreams?”

أعادت الرواية ترتيب مواقع الأشخاص في حياتي، زادت من نسبة خوفي أن يغيب أحدهم عنّي دون أن أقول له أحبّك بنظرة عينٍ صادقة، أو أن يغيب ويتركني أحيا بشعوري القاتل بأنني قد قصّرتُ في معرفتهِ جيدًا، أنني لم أعرف روحهُ المجرّدة التي تتكون من أحلامهِ فحسب.

أخيرًا..
كما قلت سابقًا، مرت ثلاث سنواتٍ مذ قرأت هذه الرواية. غابت عن بالي تفاصيلها كلها تقريبًا إلا حذاءها الأزرق، لقد كان آخر ما رآه آخر شخصٍ عن أمّهم التي كانت ضائعة في الرواية، و لاتزال ضائعةً في قلبي.

2 thoughts on “أقصوصة أمي

  1. ياه استبرق!
    مشاعرنا تتشابه. هذا الكتاب، وعلى الرغم من أنك قد لا تمنحه خمس نجوم، يبقى حاضرا في ذاكرتكَ البعيدة.

التعليقات مغلقة.